ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
12
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
صحيح ثابت ، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم ، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم ، ولذلك عدل به عن لفظ الأول ؛ لاختلاف ما بينهما ، وجيء به على لفظ الأمر ، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه : اشهد عليّ أني أحبك ، تهكما به ، واستهانة بحاله . وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر ؛ إلا أنه ليس كالأول ، بل إنما يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر ؛ لمكان العناية بتحقيقه ، كقوله تعالى : قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين الآية ، وكان تقدير الكلام أمر ؛ ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد ، فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر ؛ للعناية بتوكيده في نفوسهم ؛ فإن الصلاة من أوكد فرائض اللّه على عباده ، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب ، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية ، ولهذا قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأعمال بالنّيّات » . واعلم أيها المتوشّح لمعرفة علم البيان ، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك ، وهو لا يتوخّاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة ، الذي اطلع على أسرارهما ، وفتش عن دفائنهما ، ولا تجد ذلك في كل كلام ؛ فإنه من أشكل ضروب علم البيان ، وأدقّها فهما ، وأغمضها طريقا . القسم الثالث : في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل ، وعن المستقبل بالماضي ، فالأول الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي : اعلم أن . الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي ، وذاك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها ، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها ، وليس كذلك الفعل الماضي ، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلا بمكانه ، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى .